محمد جواد مغنية
12
التفسير الكاشف
وبعضها متشابهة ، قال في الآية التي نحن بصددها : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ » . . فما هو طريق الجمع بين هذه الآيات ؟ . الجواب : ان المراد بقوله تعالى : ( أُحْكِمَتْ آياتُهُ ) أنها أحكمت في النظم والإتقان ، وانها جميعا فصيحة اللفظ ، صحيحة المعنى ، والمراد بقوله : ( كِتاباً مُتَشابِهاً ) ان بعضه يشبه بعضا في البلاغة والهداية ، قال أمير المؤمنين : القرآن ينطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض ، والمراد بقوله : ( مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) ان بعضها واضح المعنى لا يحتاج إلى تفسير ، وبعضها غامض يحتاج فهمه إلى تفسير ، والتفسير يحتاج إلى المعرفة والعلم بالصناعة ، كما أشرنا . . فلا تهافت بين الآيات الثلاث بعد اختلاف الجهة ، فهي أشبه بقول القائل : أحب السفر ، ولا أحب السفر ، ثم أوضح مراده بقوله : أحب السفر برا ، ولا أحبه بحرا ، قال بعض الصوفية مخاطبا ربه : يا من أراه ولا يراني * يا من يراني ولا أراه يريد أرى اللَّه مفضلا عليّ ، ولا يراني مطيعا له ، ويراني عاصيا ، ولا أراه معاقبا . سؤال ثان : ما هو المراد من الأم في قوله تعالى : « هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ » ؟ . الجواب : بعد أن أوضح سبحانه ان في كتابه آيات متشابهات لا يعلمها إلا اللَّه والراسخون في العلم قال : ولكن الآيات التي وردت في أصول العقيدة ، كالايمان باللَّه ونفي الشريك عنه ، وكالإيمان بنبوة محمد ( ص ) واليوم الآخر ، ان هذه الآيات واضحة المعنى بيّنة القصد ، لا التباس فيها ولا غموض ، ولا مجال فيها للتأويل ، أو التخصيص ، أو النسخ ، ويستوي في فهمها العالم والجاهل ، وهي في نفس الوقت الأصل والأساس في كتاب اللَّه ، لأنها في العقيدة ، وما عداها يتفرع عنها ، ويرجع إليها . وعلى هذا فلا وجه ، ولا مبرر لوفد نجران اليمن وغيره أن يطلب الآيات المتشابهة ، مثل الآية التي وصفت عيسى بأنه روح اللَّه ، ويتجاهل تلك الآيات